ابن الجوزي

323

صفة الصفوة

رحمك اللّه ، فما رأيت أحسن كلاما منه ؟ فقال : عبد من عبيد اللّه . قال فخرجنا من عسفان حتى أتينا مكة فلما انتهينا إلى الأبطح نزل عن حماره وقال لي : أثبت مكانك حتى انظر إلى بيت اللّه نظرة ثم أعود إليك إن شاء اللّه . قال : فانطلق وعرض لي رجل فقال : تبيع الحمار ؟ قلت : نعم . قال : بكم ؟ قلت : بثلاثين دينارا . قال : قد أخذته منك . قلت : يا هذا واللّه ما هو لي وإنما هو لرفيق لي وقد ذهب إلى المسجد ولعله أن يجيء الآن قال : فإني لأكلّمه إذ طلع الشيخ فقمت إليه فقلت : إني قد بعت الحمار بثلاثين دينارا . قال أما إنك لو كنت استزدته لزادك إن شاء اللّه فأما إذ بعت فأوجر . فأخذت من الرجل ثلاثين دينارا ودفعت الحمار إليه وجئت بالدنانير فقلت : ما أصنع بها ؟ قال : هي لك فأنفقها . قلت : لا حاجة لي بها ، قال : فألقها في الجراب . قال : فألقيتها في الجراب . قال : فطلبنا منزلا بالأبطح فنزلناه فقال أبغني دواة « 1 » وقرطاسا . فأتيته بدواة وقرطاس . قال : فكتب كتابين ثم شدهما إليّ وقال : انطلق به إلى عباد بن عبّاد وهو نازل في موضع كذا وكذا فادفعه إليه وأقرئه مني السلام ومن المسلمين . ثم دفع الآخر إليّ وقال : ليكن هذا معك فإذا كان يوم النحر فاقرأه إن شاء اللّه . قال : فأخذت الكتاب فأتيت به عبّاد بن عبّاد وهو قاعد يحدّث وعنده خلق كثير ، فسلّمت ثم قلت : رحمك اللّه ، كتاب بعض إخوانك إليك ، فأخذ الكتاب فإذا فيه ، « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أما بعد يا عبّاد فإني أحذّرك الفقر يوم يحتاج الناس إلى الذخر ، فإنّ فقر الآخرة لا يسده غنى وإنّ مصاب الآخرة لا تجبر مصيبته أبدا ، وأنا رجل من إخوانك وأنا ميت الساعة إن شاء اللّه فاحضرني لتليني وتولّ الصلاة عليّ وإدخالي حفرتي وأستودعك اللّه وجميع المسلمين ، واقرأ السلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعليكم جميعا السلام ورحمة اللّه » . قال فلما قرأ عبّاد الكتاب قال : يا هذا أين هذا الرجل ؟ قلت : بالأبطح . قال : فمريض هو ؟ قلت : لا ، تركته الساعة صحيحا قال : فقام وقام الناس معه حتى دخل عليه فإذا هو مستقبل القبلة ميت مسجى ، عليه عباءة . فقال لي عباد : وهذا صاحبك ؟ قلت : نعم . تركته الساعة صحيحا ؟ قال : فجلس يبكي عند رأسه ثم أخذ في جهازه وصلّى عليه ودفنه . قال : واحتشد الناس في جنازته ،

--> ( 1 ) أي أريد دواة وقرطاسا .